كان بيحترم قراراتها، وده وحده كان كفاية يخليها تطمئن له بالتدريج. في مساء هادئ، وهما خارجين من المكتب، قال لها:
– عندي سؤال، بس عايزك تجاوبيني بصراحة.– اتفضل.– أنا بالنسبالك إيه؟ابتسمت وهي بتبص قدامها.– محاسب شاطر، وبتحب تتدخل في كل حاجة. ضحك.– أنا بتكلم بجد يا مريم.
سكتت لحظة، ثم بصت له.– إنت أول شخص وقف جنبي من غير ما يحسسني إني مدينة له بحاجة. وده عندي أغلى من كلام كتير. ابتسامته هديت.– وأنا مش مستعجل على أي حاجة. المهم تكوني مرتاحة. مريم ما ردتش، لكنها مدت إيدها له، فمسكها بهدوء.
ما كانش وعدًا بحياة مثالية، لكنه كان بداية علاقة مبنية على الاختيار والاحترام، مش الخوف والاحتياج. وفي نهاية الأسبوع، وصلها اتصال من حسن.– مريم، كنت عايز أعزمك على الغدا يوم الجمعة. لو مش حابة، أنا هتفهم. فكرت قليلًا، ثم قالت:
– هاجي، بس عندي شرط.– أي شرط.
– مش عايزة نتعامل كأن مفيش حاجة حصلت. أنا مش هقدر أرجع البنت اللي كانت بتصدق كل كلمة منك، ولا عايزة أرجعها. لو هنبدأ من جديد، لازم نبدأ على الحقيقة. جاء صوته هادئًا:
– موافق. يوم الجمعة، راحت مريم البيت. استقبلتها سلوى، اللي كانت جاية من سفر قصير، وضمتها بحنان.
أما حسن، فوقف بعيدًا، مترددًا بين إنه يقرب منها وبين خوفه من رفضها. مريم هي اللي قربت منه وسلمت عليه. ما كانش حــ,,ـــــضنًا طويلًا، ولا مصالحة كاملة، لكنه كان خطوة صغيرة. على السفرة، حاول حسن يفتح كلامًا عن شغلها، فحكت له عن مكتبها وعن أول مشروع كبير نجحت فيه.
استمع لها من غير ما يقاطعها، ولما انتهت، قال:
– أنا فخور بيكي. مريم ابتسمت ابتسامة خفيفة.– أتمنى تكون فخور بيا عشان أنا مريم، مش عشان أنا بنت مين. هز رأسه.– عندك حق. في اللحظة دي، فهم حسن إن الاعتذار مش كلمة تتقال مرة وتنتهي الحكاية بعدها.
الاعتذار الحقيقي إنه يتعلم يسمعها، ويحترم اختياراتها، ويتقبل إن مكانته في حياتها مش حق مضمون لمجرد إنه ربّاها. أما مريم، فكانت قد فهمت إن الحقيقة مهما كانت موجعة، أهون من حياة كاملة مبنية على الخوف.
هي مش بنت حسن بالدم، لكنها مش مضطرة تكره كل الذكريات الحلوة اللي عاشتها في بيته. وفي الوقت نفسه، مش مضطرة تسامحه على كل وجع سببه لها. تقدر تحبه وتعاتبه، تقدر تزوره وتحافظ على مسافتها، وتقدر تبني حياة مستقلة من غير ما تنكر ماضيها.
لأنها في النهاية ما كانتش محتاجة تثبت إنها بنت أبوها عشان تستحق الحب والاحترام. كانت محتاجة تعرف الحقيقة، وتختار بنفسها مين يستحق يفضل في حياتها. تمت.

النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.